17/11/2025
الإيمان ضد الخرافة والوساوس
بقلم أسية مبرور ✍✍✍
لم أستطع النوم براحة بعدها يا صديقي، فماذا حصل؟
في يوم من الأيام، حيث كانت السماء الزرقاء صافية تتوسطها بعض السحب الصغيرة البيضاء، والجو الرائع البديع، والهواء النقي المنعش، طلبت مني أمي أن أقتني بعض المواد الغذائية من عند البقال حينها. فرحبت بطلبها وكلي حماس لأن رجائي كان هو أن أتجول في الخارج وأستمتع بالجو؛ فانتعلت حذائي بسرعة ثم خرجت.
أثناء رجوعي لفتت سمعي موسيقى صاخبة تسمى "غياطة وكناوة " تأتي من الحي المجاور، فذهبت لأرضي فضولي الطفيلي ولأرقص مع الأطفال قليلا. لكن عند وصولي إلى هناك بعد عناء طويل في الازدحام، صدمت لعدم وجود أطفال هناك. لفتت نظري بقرة حمراء في ذلك الازدحام، أحببت شكلها الجميل وتمعنت النظر فيها من قرب، فكانت تنظر إلي بعينيها العسليتين كأنها تقول لي خدني معك، لكن سرعان ما سحبها رجل ضخم جدا، سحبها بيد، واليد الثانية كان يحمل بها س ي فا كبيرا. حينها أدركت أنها كانت تتودد إلي لكي لا تلقى حت فها.
تتبعت البقرة بعناي وأصوات الموسيقى ترتفع شيئا فشيئا. بعدها تكونت حلقة كبيرة من ذلك الازدحام وأدخل ذلك الرجل البقرة إلى وسط الحلقة. كانت تلك البقرة تنظر إلي وتموء كثيرا، فقررت أن أنقذها. دخلت الحلقة بسرعة وحاولت دفع ذلك الرجل لكي أهرب بالبقرة وأنقذها، لكن كان ذلك الرجل ثقيل جدا ولم يسعني زحزحته من مكانه. مسكني الرجل وحملني من ملابسي ودفعني خارج الحلقة، ثم مسكني رجلان كانوا شبه سكا ر لأنهم لم يكونوا يتصرفون على الطبيعة البشرية. قال لي أحدهما "اجلس! أتريد أن تكون مكانها؟" في تلك اللحظة حمل الرجل الس ي ف وق ط ع ر أ س البقرة وهي واقفة.
سقط ال ر أ س و انتشر ال د م في كل أنحاء الحلقة بحيث لوثني أيضا. لكن ج س د البقرة ظل لدقائق كثيرة واقفا كما لو أنها حية. صدمت من هول المشهد، وبدأت حينها الموسيقى تتعالى أكثر فأكثر وتتردد شعارات غير مفهومة. حينها أحسست كأنني في فقاعة زجاج أرى من خلالها ما يحصل لكن الموسيقى بدأت تتلاشى شيء فشيء حتى فقدت الوعي.
بعد أن استعدت وعيي وجدت أمي فوق رأسي وهي مفجوعة وتتكلم مع امرأة أخرى، فقالت لها تلك المرأة" أمسكي طفلك! فهذه المرة نجى، لكن في المرة القادمة لا أضمن ذلك". أحسست حينها أنني سقطت في مطب لا رجعت منه. أخبرتني أمي أن يبقى هذا سر بيني وبينها وأن لا أُخبر أبي بما حصل لكي لا يلومني على ذهابي للحي المجاور؛ فوافقت دون تردد، هذا بعد أن ربتني وعاقبتني بطريقتها الخاصة.
مر اليوم كباقي الأيام بعد ذلك الحدث، وتصرفت بطبيعتي لكي لا أشعر أبي بما حصل، حتى حان الليل فخلدت إلى النوم. إستيقضت في الليل وأحسست كأن شيء كالماء يسقط على وجهي من السقف، فتحت عيناي لأجد البقرة أمامي وتقول "لماذا لم تنقدني؟" صرخت حينها بأقصى ما لدي، لأستفيق من كابوس لم أتوقعه أبدا. سمعا أبواي صراخي وهرولا إلي ركضا، ليجداني متجمد في مكاني من هول الصدمة.
اكتشف أبي الحقيقة حينها وقال لأمي أن نذهب صباحا عند الفقيه لكي يزيل مني الصدمة من خلال كيي بعود سا خن. لم أقبل ذلك لكن جبروني على فعله وتأذيت حينها كثيرا. واستمر الحال على هذا الشكل، فكانوا يذهبون بي تارة إلى الأضرحة وتارة إلى الزوايا لكي أشفى، وكانت أمي تضع لي حزم أسمتها "الحجاب" أخدتها من عند ولي الله الذي في الضريح، لعلي أشفى. فكانت لا تكتفي بذلك القدر من شدة خوفها علي، لكن لم تكن هناك أي نتيجة.
لذلك قررت بأن أكتم مخاوفي وأتظاهر بالشفاء لكي يكفا عن ذلك. ومرت السنين وصرت شابا ناضجا ومازالت البقرة تزورني في كل احلامي وكل يوم تلومني لعدم إنقاذها. وقبل عيد الأضحى بأيام ذهبت مع صديقي المقرب ووالده ليشتري كبشا، كنت أشاهد حتى البقرات الأخريات ولم يحصل لي شيء، ففرحت حينها أنني تخطيت الفوبيا. لكن سرعان ما شاهدت بقرة مماثلة لتلك، فلم أتحمل كتم مخاوفي ففقدت وعيي.
أخدني صديقي إلى منزله وهناك أخبرته بما حصل لي، فتفاجأ كثيرا. ثم ابتسم وقال "والله إنك صبرت بما يكفيك وجاء يوم فرجك"، قال لي أن البقرة التي تلاحقني ماهي إلى صدمة مكبوتة في لا وعيي وإذا أردت أن أتخلص منها علي أن أواجهها كأي مشكل في الحياة. لكن الخوف الذي أشعر به ما هو إلى من فراغ تربوي ديني، فسألني:" هل تلتزم بصلاتك ووردك القرآني وذكرك وتحصينك؟
حرجت كثيرا من السؤال لأنني لم أفهم من سؤاله سوى صلاتي. قلت له "إنني فهمت فقط صلاتي فكما تعلم أنني أتذبذب بها كثيرا، لكن ما قصدك بالأخرى؟"
قال "لي لا عليك، الورد القرآني هو أن تجعل لنفسك في كل يوم صفحة من القرآن الكريم على الأقل، تقرأها وألا تتوقف عنها، فلذلك سميت بورد، أما الذكر فهو مجموعة من الأذكار كالكلمة الطيبة لا إله إلا الله والمسبحات... والتي يدخل فيها التحصين والتحصين مجموعة من الأدعية والأذكار من أجل حماية النفس من الشيطان والمصائب ."
"فإن أردت يا صديقي أن تتغلب على خوفك، فعليك بهم؛ فهما حصنك الحصين الذي يمكنك من مواجهة تلك البقرة ." نظرت إلى صديقي كثيرا، كنت أتأمل كيف لشخص عادي مثله أن يريحني بهذا الشكل في حين أنني جربت كل شيء. جربت الكي والحجاب والفقيه والأضرحة وما جاورها، ولكن حوار قصير لا يتعدى نصف ساعة مع هذا الشاب تغلب على المشكلة وصغرها جدا حتى أصبحت شيء عاديا.
أدركت في ذلك الحين أن ما كنت ألجأ إليه هو نفسه الشيطان صاحب الوساوس. وأن ولي الله ليس بذلك التصور الذي كنت أتبناه، بل هو المؤمن التقيّ الذي اجتمعت فيه صفات الإيمان الصادق والعمل الصالح، ودوام الطاعة لله تعالى، مع اجتناب المعاصي والمحرمات، حتى بلغ مقام القرب والمحبة من الله. وليس الولي من يدعي الكرامة دون استقامة، بل شرط الولاية: الاستقامة على منهاج النبوة.
طلبت منه حينها أن يرافقني في رحلتي لأتغلب على مخاوفي، فوافق بكل صدر رحب. بدأت شيء فشيء وبالتدرج حتى أدركت وأيقنت أنه إن كان الله معي فلا شيء يؤذيني، وأنني حين أمسي وحين أصبح فإني في رعاية الله الواحد الأحد. وأنني كنت مقصرا مع الله تعالى قبل كل شيء ومتمسك بوساوس الشيطان في حين كان الحل جليا.
بعد ذلك بشهر، أحسست أنني قادر على مواجهتها، خلدت إلى النوم وأنا مستعد لمحاورتها بدل الهروب منها، وأثناء نومي و أخيرا، بعد مدة طويلة استشعرت نوم الراحة؛ حلمت ببحر أزرق جميل وصافي تنعكس عليه صورة السماء التي أحبها، وعشب أخضر جميل يحف المنطقة، حينها استنشقت هواء رائعا واستلقيت على العشب، لاستنتج أن البقرة ما كانت إلا وساوس وتربص من الشيطان لي منذ الصغر لكي لا أنعم برضى الله تعالى ، وأنه بعد مداومتي على الأوراد ذهبت الوساوس وبالتالي ذهبت البقرة، أي أنه عند حضور الإيمان لا يبقى معنى للوسواس .
والحمد لله رب العالمين.