30/06/2020
كفى بالموت واعظا
فكفى بالموت واعظاً ؛ فهو هادم اللذات , ومفرق الجماعات , وقاطع الأمنيات , وميتم البنين والبنات , وهو الواعظ الصامت يأخذ كل أحد بدون استئذان ؛ يأخذ الغني والفقير والملك والحقير والأمير والصغير والسقيم والكبير , وهو مقدمة من مقدمات اليوم الآخر ؛ فمن مات قامت قيامته قال الله - جل وعلا - : (كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ المَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ القِيَامَةِ فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الغُرُورِ) فمهما طال العمر فلا بد أن يأتي اليوم الذي يكون فيه العبد طريحاً بين أهله , لا حراك له وقد وقعت منه الحسرة , وجفت منه العَبرة , وثقل منه اللسان , واشتدت به الأحزان , وعلا صُراخ الأهل والولدان , ونادوا بالأطباء للدواء , ووقع القضاء , قال الحق - تبارك وتعالى - : (فَلَوْلَا إِذَا بَلَغَتِ الحُلْقُومَ * وَأَنْتُمْ حِينَئِذٍ تَنْظُرُونَ * وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ وَلَكِنْ لَا تُبْصِرُونَ), وفي هذه اللحظات ينظر العبد آخر النظرات إلى من كان حوله من الأبناء والبنات , والإخوان والأخوات , وتسبقها الآهات والزفرات , وتعقبها شدة السكرات والحسرات , فتخرج الروح وتبقى السيئات والحسنات. ووالله لو كان الأمر سينتهي بالموت لهان الأمر، لكنه مع شدته وهوله، أهون مما يليه من القبر وظلمته، وكل ذلك هين إذا قورن بالوقوف بين يدي الله الكبير المتعال، في موقف ترتج له النفوس ، وتنخلع له القلوب . فيا عباد الله: لا يعرف الموت صغيراً ولا كبيراً، لا يعرف الموت إلا من حلت منيته ودنت ساعته وقامت قيامته، عند ذلك تتوفاه ملائكة الموت، فإن كان من أهل الطاعة، إن كان من أهل الرضا، إن كان من الخائفين من الله فهنيئاً له، تخرج روحه كما تسيل القطرة من فيِّ السقاء، هل رأيتم سقاءً ينسكب الماء منه؟ هل تجدون صعوبة في أن ينسكب الماء من شعبة السقاء؟ ليس في ذلك صعوبة، هكذا تخرج روح المؤمن. وأما الفاجر الكافر؛ فإن روحه تنتزع انتزاعاً كما ينتزع السفود من الصوف المبتل، ولا حول ولا قوة إلا بالله. استعدوا للموت يا عباد الله! استعدوا للخاتمة، استعدوا للآخرة، كم من أناسٍ عرفناهم صغاراً وكباراً فرق بيننا وبينهم الموت، فأعدوا لهذا واستعدوا، اعملوا صالحاً تلقوه، فإن الله يوم القيامة ليس بينه وبين العباد نسب، إنما الارتفاع والانخفاض والقرب والبعد بحسب الأعمال الصالحة . أيا من تاجر في اللهو والملاهي! أيا من تاجر في الحرام والمحرمات! أترضى أن تفارق الدنيا وتقبض روحك ويلاقيك ملك الموت وأنت ممن ينشر الفساد في الأرض؟ أيا عاقاً! أيقبضك ملك الموت وأنت قاطعٌ لأمك وأبيك؟ أيا قاطعاً رحمه! أتقبضك ملائكة الموت وأنت على قطيعة رحم؟ أيا واقعاً في المعاصي والمنكرات! أيا مدمناً على الملاهي والملهيات! أيا مستهتراً بأمر رب السماوات! ألا تستعد لهذه الخاتمة؟ كفى بالموت واعظاً!! كفى بالموت واعظاً!! كفى بالموت واعظاً!! القبر أول منازل الآخرة, إذا زرت المقبرة قف أمام قبر مفتوح، وتأمل هذا اللحد الضيق، وتخيل أنك بداخله، وقد أغلق عليك الباب، وانهال عليك التراب، وفارقك الأهل والأولاد، وقد أحاطك القبر بظلمته ووحشته، فلا ترى إلا عملك . فماذا تتمنى يا ترى في هذه اللحظة؟ ألا تتمنى الرجوع إلى الدنيا لتعمل صالحا، لتركع ركعة، لتسبّح تسبيحة، لتذكر الله تعالى ولو مرة؟! ها أنت على ظهر الأرض حيًّا معافى فاعمل صالحا قبل أن تعضَّ على أصابع الندم وتصبح في عداد الموتى . إذا هممتَ بمعصية، تذكّر أماني الموتى، تذكّر أنهم يتمنّون لو عاشوا ليطيعوا الله، فكيف تعصي الله ؟ إذا فترت عن الطاعة، تذكّر أماني الموتى، واجتهد في الطاعة، وبادر إلى التوبة قبل أن يأتيك الموت بغتة، فتقول: يا ليتني قدمت لحياتي، واعلم أن ملايين الموتى يتمنون مثل الدقيقة التي تمر من حياتك ليستثمروها في طاعة الله، وذكره والتوبة إليه، فلا تضيع دقائق عمرك ، لئلا تتحسر في آخرتك (أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يَا حَسْرَتَا عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ وَإِنْ كُنْتُ لَمِنْ السَّاخِرِينَ أَوْ تَقُولَ لَوْ أَنَّ اللَّهَ هَدَانِي لَكُنْتُ مِنْ الْمُتَّقِينَ أَوْ تَقُولَ حِينَ تَرَى الْعَذَابَ لَوْ أَنَّ لِي كَرَّةً فَأَكُونَ مِنْ الْمُحْسِنِينَ) ألا وصلوا وسلموا رحمكم الله على خير البرية .
🌷 لا تتردد فى نشرها بين اصدقائك 👈 فالدال على الخيرِ كفاعله !