12/03/2022
عن البناء بالطين
_________
المساكن التي بنيت بالطين مؤخرا في سيلبابي يجب أن تكون -نظريا- مصدر فخر لا باب تنكيت ونقد وتبخيس.
ولكي يفهم القارئ الأمر بشكل مبسط فهذه، أولا، بعض طرق البناء بالطين:
- #الطوب (adobe)، وهو اللبِن المصنوع من الطين والرمل والحشائش والمعرّض للشمس لمدة أيام حتى يجفّ وتنجز به المباني في كل دول العالم نظرا لكونه رخيصا وسهل التنفيذ إلا أن مشكلته الكبرى تبرز عند تعرضه لمياه الأمطار عندما لا يكون محميا بدرجة كافية، وطرق حمايته عديدة ومعروفة لا يتسع المقام لبسطها.
- (pisé)، وتبنى به الجدران عن طريق ضغطها يدويا داخل إطارات خشبية (coffrage) وهو أقل انتشارا وتكلفته أكثر من سابقه.
- أو المصهور (terre cuite) وهو حرق الطوب عن طريق درجات حرارة عالية تجعل الطين أكثر صلابة وتحملا للماء.
وهذه الطرق الثلاث قديمة قدم التاريخ والبشر، ومعروفة لدى جميع الحضارات وحيثما بنى البشر، وقد ذكر القرآن الطين المحروق حين قال فرعون لوزيره هامان 《فأوقد لي يا هامان على الطين》.
- هناك نوع آخر من طرق استعمال الطين في البناء وهو ، وهذه التقنية برزت في القرن الماضي فصُنعت ماكينات تُنتج لبِناً عن طريق مزج الطين والرمل مع نسبة قليلة من الإسمنت والماء وضغط الخليط وإخراجه ثم حفظه من الشمس والرياح لمدة أيام وسقيه ثم استعماله بعد ذلك. وهو لبِن -نظريا- قوي مقارنة بسابقيه ومنخفض التكلفة ومقاوم للأمطار إنْ أُنجز بشكل سليم وحُمِي بطرق الحماية المعروفة لدى أهل الاختصاص.
الطين المضغوط بُنيت به مساكن سيلبابي ولم أقف عليها ولا أعلم شيئا عن تكلفتها إلا أن الأمر يعتبر -نظريا- باعثا على الافتخار والاعتزاز، فالطين مادة متوفرة في كل مكان وصديق للبيئة وصالح لبلدان كبلدنا بعكس الإسمنت الغالي والملوث للبيئة والبارد شتاء والحار صيفا!
إضافة إلى ما سبق، فإن الطين المضغوط هو مادة البناء الأولى في المستقبل وليس رجوعا إلى الوراء كما يظن الكثيرون ومن اطلع على حجم المشاريع المنجزة في القارة السمراء بالطين فسيقف مشدوها لكثرتها وجمالها ومواءمتها للواقع المحلي.
وفي موريتانيا مشاريع طينية -وإن كانت قليلة- بعضها له سمعة دولية كمستشفى كيهيدي الجهوي الحائز على جائزة الآغا خان للعمارة.
وهذه الجائزة تمنح لمشاريع يتوفر فيها أمران اثنان:
- أن يكون المشروع منجزا بمواد تقليدية محلية
- أن يخدم مجتمعا إسلاميا
وللقارئ أن يعلم أن أعلى برجين في كوالالمبور -عاصمة ماليزيا- حصلا على هذه الجائزة كما حصل عليها مستشفى كيهيدي وحصلت عليها مشاريع أخرى كثيرة عبر العالم كمعهد العالم العربي بباريس ومكتبة الإسكندرية!
من المشاريع الناجحة الطينية الناجحة أيضا في نواكشوط مساكنُ موظفين بُنيت بالطوب في عهد الرئيس المختار بإشراف من العميد المهندس دياكَانا (رحمهما الله) ولا تزال هذه المباني قائمة وصالحة للاستخدام إلى يومنا هذا (توجد قرب مسجد السعودية).
وحسب علمي فأول استعمال في البلاد للطين المضغوط عن طريق الماكينات كان في قرية (باب الفتح) عام 2003 ولا تزال المساكن المنفذة به قائمة إلى الآن.
والمتجول اليوم في مدينة نواكشوط يلاحظ عددا من محطات الوقود مبنية بنفس التقنية وهي لمستثمر خصوصي يستعمل ماكينة ضغط الطين، كما أن في الداخل قرية كاملة مبنية بالطوب المسقف بتقنية القبو النوبي، وهو مشروع موله الإماراتيون لبعض اللاجئين (قرية دياكري).
وتنفذ حاليا بعض المباني بالداخل ومنها مدارس عن طريق نفس التقنية (الطوب+القبو النوبي) وهو أمر يجب أن تلتفت وتتوجه إليه الدولة والمستثمرون فقد يكون حلا لمشكل غلاء السكن.
وكما أن لدينا تجارب طينية ناجحة فإن هناك تجارب أخرى فشلت كتجربة آداوا في روصو وتجارب أخرى قام بها خصوصيون في مجال الطين المضغوط وتخلوا عنها.