06/12/2021
التاريخ في ظاهره لا يزيد على الإخبار وفي باطنه نظر وتحقيق، ابن خلدون.
أيها الأحبة،
سأنشر تباعا كتابي الذي يحمل عنوان؛ في شكل حلقات بالفايسبوك. وهو كتاب يضم رحلات كثيرة منحت لي الفرصة لاكتشاف أقاليم مختلفة بين اوروبا وشمال إفريقيا والشرق المتوسط، وبين الصحراء والبحار والجبال المثلجة.
ولقد انتهت بي هذه الرحلات بتونس، أين وجدت وضع كتاب أخيرا هو تتويج لرحلة روحية لامست أطراف كامل صخبها النوراني بمقام ولي جبل الجلاز أبي الحسن الشاذلي وولي جبل المنار أبي سعيد الباجي.
وإنني لم أجد في تونس جزءا مني فقط، بل فيها تجلى كامل توقي إلى ما ينبغي أن تكون عليه نفسي، فتونس بضجيج حضاراتها المتعاقبة، تبعث على سكون كبير يفي بوعد الالهام وفيضه على المتأملين، فتعطيه حظوظا من نفسها حتى تتمازج في روحه معالم الدنيا وتنصهر فيه معارفها. فهي مزيج ثقافات تداخلت بين الافريقية والنوميدية والقرطاجية واليونانية والرومانية والبيزنطية والعربية الاسلامية بما في ذلك الأغلبية والفاطمية والموحدية والحفصية والعثمانية وتليها الفرنسية التي شيد أصحابها بناء بحوافٍ هي بين تونس وبين بحرها.
في مدينة تونس العتيقة، أين يصبح الزمن كأنه قطعة من الجنة، ثم لا يلبث أن يتحول إلى زمن فارغ بمجرد الخروج من باب البحر، تتحول ألوان القناديل البلورية وأنسجة البساط الامازيغي وأشكال الالبسة التقليدية والصنائع النحاسية إلى طيور فردوس معلقة من أقدامها أعلى الدكاكين تفتح شهية الذين أنعم الله عليهم بالقدرة على استنشاق عبق التاريخ.
سيكون في هذا الكتاب حديث عن قرطاج ونوميديا والرومان، وعن آثار مفقودة مدّت يد الوصل إلى هاته العوالم. تقبع هذه الآثار بمنطقة ولدت بمحاذاتها وهي منطقة ماسيسيليا التي كانت عاصمتها سيگا الواقعة على شرفات البحر غرب وهران، وهي التي علا شأنها قبل أن يأتي عليها أعداؤها من الرومان وحلفاؤهم لتدميرها. ولقد بعثت قرطاج في نفسي ما كان بينها وبين سيگا من المصاهرة ومن آلام المصائب التي انتهت بموت سوفونيسبا موتا مفجعا. فآليت أن أعود إلى سيگا لاروي شيئا من منطقة ولدت خلف جبالها بما يسمّى بالأطلس الاوسط في سويعة تقضيها السيارة منها إلى سيگا الرابضة على ساحل البحر.
وفي هذا الكتاب حديث عن مدن حاضرة الاندلس التي تتجلى بفضلها فكرة الاندلس التي لم تضع أبدا، فالأندلس ليست إقليميا جغرافيا متمثلا في غرناطة أو إشبيلية أو قرطبة، بل إنها ايضا زغوان والعالية وتستور، وتيطوان وشفشاون وفاس، وتلمسان والبليدة وبجاية. وسيكون في هذا الكتاب لأندلس تونس فصل أثريه بما سمحت لي الفرصة من اكتشاف رباضها وسحر بياضها.
إن الأندلس زمن ومعرفة وعلم وحضارة وتعددية وديمقراطية وتفاهم وانفتاح وتقدم وتطور وإنتاج. وفي الواقع، فإن الاندلس التي يبكي الكثير لفقدانها لا يعرف كيف يحتفظ بما تبقى له منها في شمال إفريقيا، فهو لا يعرف أن الأندلس الحقيقية هي بلدان شمال إفريقيا التي نواصل في استنزاف جمالها وتدمير هويتها التاريخية بالقمع والنكران والتعصب والذهاب أحيانا -في مناسبات كثيرة- إلى منطق محاكم التفتيش الاسباني نفسه.
وفي هذه الرحلات أيضا عوالم أخرى، أرجو أن أُعطى فيها حظ الوفاء لها.