05/04/2023
حكم التحيين الإيجابي
يتضمن الرسم العقاري حقوقا عينية و لهذه الحقوق أصحاب. و في غياب المفعول المنشئ للترسيم تكونت حقوق خارج الرسم العقاري و لها أصحاب لا يمكنهم إدراجها بالرسم العقاري. و استشرى هذا الوضع في الرسوم العقارية التي أصبحت لا تعكس الواقع المادي و القانوني للعقارات موضوعها حتى نادى البعض بالتخلّي عن نظام السجل العقاري برمّته. و لكنّ المشرع آثر المحافظة على السجل العقاري و إخضاع الرسوم العقارية المحدثة بعد 28 أفريل 1998 للمفعول المنشئ للترسيم و سنّ القانون عدد 34 لسنة 2001 المؤرخ في 10 أفريل 2001 و المتعلق بتحيين بقية الرسوم العقارية حتّى تصبح بدورها خاضعة للمفعول المنشئ للترسيم قاصدا بذلك القضاء على ظاهرة الحقوق المتكونة خارج الرسم العقاري ثم وبعد عشر سنوات أدخل عليه تنقيحا بموجب القانون عدد 67 لسنة 2009 المؤرخ في 12 أوت 2009.
و قد عهد القانون بمهمة التحيين إلى المحكمة العقارية و أحدث هيئتين إحداهما فردية التركيبة و تتمثل في قاضي السجل العقاري و الأخرى ثلاثية التركيبة و تتمثل في دائرة التحيين. و نصّ قانون التحيين على عدّة وسائل كالبحث و الإشهار و الاختبار و أجاز للهيئتين اللجوء إليها للوقوف على الحالتين المادية و القانونية للرسم العقاري.
و لا يصدر قاضي السجل العقاري إلا أحكاما إيجابية في حين تستجيب الأحكام الصادرة عن تصدر دائرة التحيين أحكاما سلبية أو أحكاما إيجابية كليا أو جزئيا.
و يمكن تعريف حكم التحيين الإيجابي بأنه الحكم الذي يستجيب للطلبات كلا أو بعضا.
و يطرح هذا التعريف الإشكالين التاليين:
- هل يتقيد حكم التحيين الإيجابي بالطلبات و بالتالي بمبدإ الحياد. و سنجيب عن ذلك بالنفي صلب المبحث الأول على اعتبار أن حكم التحيين لا يتقيد بمبدإ الحياد (أولا).
- طالما ان حكم التحيين الإيجابي يستجيب للطلبات كلا أو بعضا فإنه سيميز بين طلبات يستجيب لها و طلبات لا يستجيب لها و سنبين صلب المبحث الثاني الضوابط القانونية التي يتقيد بها الحكم للإستجابة أو الرفض (ثانيا).
المبحث الأول: حكم التحيين الإيجابي لا يتقيد بمبدإ الحياد
لا يتقيد حكم التحيين الإيجابي بمبدإ الحياد لأنه و لئن كان يستجيب لطلبات محددة أساسا بالفصل 6 من قانون التحيين إلا أن هذا التحديد ظاهري فقط (أولا) و لأنه يستجيب أساسا لطلب عام و شامل فيقضي في بعض المسائل ولو دون طلب (ثانيا).
أولا: حكم التحيين الإيجابي يستجيب لطلبات محددة ظاهريا :
و لئن حدد قانون التحيين الطلبات التي يبت فيها حكم التحيين الايجابي إلا أن الغاية من هذا التحديد لا تتمثل في حصر مجال تدخل حكم التحيين بل على العكس من ذلك يتضح من الإطلاع على الطلبات المحددة أنها ترمي الى توسعة مجال تدخل حكم التحيين ليشمل طلبات ما كانت مشمولة بمرجع نظر المحكمة العقارية.
و تتمثل الطلبات التي يستجيب لها حكم التحيين الإيجابي في ما يلي:
1) تفعيل آليات مسك السجل العقاري :
يبت حكم التحيين في المطالب الرامية للحصول على ترسيم أو تنصيص أو تشطيب على ترسيم أو إبطال تشطيب أو تعديل ترسيم أو حط من ترسيم أو إصلاح ترسيم أو ضبط المنابات الاستحقاقية.
و يتضح من ذلك أن مجال نظر حكم التحيين يتناول مجال تدخل إدارة الملكية العقارية.
2) التخصيص بقطعة أو قطع يتم استخراجها من الرسم العقاري :
يختلف نظام الملكية الفردية عن نظام الملكية الشائعة ففي النظام الأول تكون عناصر الملكية بيد شخص واحد و أما في النظام الثاني فإن عناصر الملكية تنقسم إلى حصص شائعة تكون في شكل أسهم سارية في كل جزء من أجزاء المال المشترك و تفرز لكل مالك أجزاء منبثة في كامل العقار فلا يجوز للشريك التصرف في جزء دون موافقة باقي الشركاء.
فإذا اشترى طالب التحيين جزء مفرزا من عقار مسجل وجب إفراز ذلك الجزء و تخصيصه بمثال خاص به و إقامة رسم عقاري مستقل لذلك الجزء و لكن المصاريف التي يستوجبها ذلك الإفراز و خضوع مطلب التقسيم المقدم لديوان قيس الأراضي و رسم الخرائط لمصادقة لجنة مختصة دفع عديد المالكين لأجزاء مفرزة إلى طلب ترسيم حقوقهم على الشياع بعد إعفاء إدارة الملكية العقارية من الوصف و التحديد. و بذلك يخرج المشتري من نظام الملكية الفردية إلى نظام الملكية الشائعة و توصف هذه الحالة بالشيوع الصوري و لا يستوجب الخروج منه اللجوء إلى القسمة بل يكفي تطبيق عقد شراء طالب التحيين و تخصيصه بالقطعة المفرزة موضوع شرائه.
3) الاعتراف بحق المغارسي أو قسمة الأرض المغروسة :
يشترط الفصل 1461 م ا ع أن يكون عقد المغارسة بكتب صحيح و لكن قانون التحيين و لتسوية وضعيات المغارسين الذين لا يمسكون عقودا خ*ل لحكم التحيين التنصيص على ثبوت وجود المغارسة. و ما تجدر ملاحظته هو أن عبارة الاعتراف في القانون المدني لا تتضمن نفس المفهوم المتعارف عليه في القانون الجزائي أي أنها لا تعني إقرار مالك الأرض بل تخ*ل تجاوز إنكار المالك المذكور و تخ*ل لحكم التحيين الإعتراف قضائيا بحق المغارسي من خلال ما تثبته الأبحاث على العين.
و من ناحية أخرى خ*ل قانون التحيين لحكم التحيين البت في قسمة الأرض المغروسة و بذلك يقضي حكم التحيين في مجال كان خاصا بمحاكم الحق العام و لكن هذه القسمة تعد اختصاصا استثنائيا و اتجه بالتالي عدم التوسع فيه فصفة الأرض المغروسة تقتضي أن يكون الإتفاق بين مالك الأرض و المغارسي على إتمام هذا الأخير لشروط المغارسة قائما و أما إذا ثبت وجود خلاف بينهما فإن الأمر يرفع إلى محاكم الحق العام لأن صفة الأرض بكونها مغروسة أصبحت محل جدال.
4) الطلبات الناشئة عن حلّ الأحباس :
تم حل الأحباس بموجب القانون و اختصت لجان جهوية لتصفية الأحباس بتصفيتها و بتوقف هذه اللجان عن أعمالها في حقبة معينة اختصت المحاكم الابتدائية بتصفية الأوقاف ثم أعيد تكوين لجان تصفية الأحباس و مع ذلك خ*ل القانون لحكم التحيين البت في تصفية الوقف و لكن بشرط ألا تكون الجنة الجهوية أو المحكمة المختصة متعهدة بمطلب سابق في تصفية الوقف.
كما تجدر الملاحظة بأن الصيغة التي اعتمدها المشرع تشير إلى أن حكم التحيين الايجابي يبت أيضا في الطلبات المتعلقة بتصفية راتب الإنزال الموظف على أرض فلاحية.
5) تصحيح الوثائق المقدّمة للترسيم :
يبت حكم التحيين الإيجابي في الطلبات الرامية إلى تدارك كل سهو أو نقص أو غلط أو خلل أو عدم تطابق في البيانات أو التنصيصات أو الإرشادات أو الإمضاءات الواجب تضمينها بالوثائق المقدّمة للترسيم.
6) تحرير الفرائض على مقتضى البيانات الواردة بالرسم العقاري :
تتضمن عدة رسوم عقارية ترسيمات دون بيان أو تحديد لمنابات المستفيدين من تلك الترسيمات و أجاز القانون لحكم التحيين الايجابي تحرير الفرائض بغاية ضبط نصيب كل صاحب حق مرسم.
ثانيا : حكم التحيين الإيجابي لا يتقيد بالطلبات :
يتعهد حكم التحيين الإيجابي أساسا بطلب عام و شامل وهو مطلب التحيين كما خ*له القانون البت في بعض المسائل ولو دون طلب.
1) يتعهد حكم التحيين الإيجابي بطلب عام و شامل :
يتعهد حكم التحيين بالبت في مطلب تحيين و بذلك فهو يجري التخليصات اللازمة و يتجاوز الصعوبات الحائلة دون الترسيم و يتخذ في ذلك الوسائل والإجراءات لتسهيل القيام بالعملية المطلوبة.
و في إطار الاستجابة لطلب التحيين فإنه إذا تعلقت الطلبات بتدارك غلط معين متسرب لعقد و اتضح وجود غلط آخر لم يطلب الأطراف تداركه فإن حكم التحيين لن يقتصر على ما شمله الطلب.
و قد يترتب عن الاستجابة لبعض الطلبات ضرورة البت في مسائل لم تشملها طلبات الأطراف فمن ذلك مثلا أنه إذا تم تخصيص أحد المستحقين بقطعة مفرزة فإن ذلك يقتضي تعديل القاسم المشترك و منابات باقي المستحقين لباقي الرسم العقاري.
2) يبت حكم التحيين الإيجابي في بعض المسائل ولو دون طلب :
خ*ل القانون لحكم التحيين أن يبت ولو دون طلب من الأطراف في المسائل التالية :
أ- ضم القضايا المرتبطة:
يختلف ضم القضايا عن ربطها ببعضها. فالربط قرار إجرائي تتخذه المحكمة خلال أطوار نشر القضايا المتعلقة برسم عقاري واحد و غايته إلمام القاضي المقرر بكل القضايا و تيسير إتمام الأبحاث المكتبية و العينية في حين أن الضم يمثل حكما يقضى به لتلافي صدور أحكام متضاربة و لتيسير تنفيذ حكم التحيين.
و يقضي حكم التحيين بضم القضايا المرتبطة إلى إحداها ولو لم يطلب الأطراف ذلك و يشمل الحكم الصادر في القضية الأسبق نشرا الطلبات المقدمة في جميع القضايا للبت فيها بحكم واحد.
ب- توزيع المصاريف :
على خلاف أحكام محاكم الحق العام لا تبت المحكمة العقارية عادة عند إصدارها للأحكام في مادة التسجيل أو في مادة الطعون في قرارات إدارة الملكية العقارية في توزيع المصاريف على المستفيدين و لكن حكم التحيين يبت عملا بأحكام الفصل 22 من قانون التحيين في المصاريف إذا طلب الأطراف ذلك.
و في حال كان مطلب التحيين مقدما من قبل إدارة الملكية العقارية طبقا لأحكام الفصل 11 من قانون التحيين فإن الحكم يبت في توزيع المصاريف ولو دون طلب.
ت- إخضاع الرسم العقاري للمفعول المنشئ للترسيم :
اقتضى الفصل 23 من قانون التحيين أنه إذا شمل التحيين كامل الرسم العقاري موضوع المطلب، أو نشأ عنه إحداث رسم عقاري جديد تقرّر المحكمة ولو دون ختم إجراءات التحيين بالنسبة إلى الرسمين المذكورين.
و يقصد بختم إجراءات التحيين أن الرسم العقاري لم يعد مجمدا و أنه لم يعد خاضعا لإجراءات التحيين مما يكون معه خاضعا لمبدإ المفعول المنشئ للترسيم.
المبحث الثاني : حكم التحيين يتقيد بضوابط قانونية
يبت حكم التحيين في الطلبات و له أن يقضي بقبولها أو رفضها كلا أو بعضا أي أن حكم التحيين يميز بين طلبات يستجيب لها و طلبات يرفضها. و لا يعقل منطقا أن يكون هذا التمييز بين الطلبات خاضعا للأهواء و الأمزجة بل إنه خاضع لمبادئ الشهر العيني (أولا) و قد أفرز فقه القضاء تضاربا في تحديد تلك الضوابط القانونية (ثانيا).
أولا : تحديد الضوابط القانونية لحكم التحيين:
يتقيد حكم التحيين بضوابط تتمثل أساسا في وجوب احترام المبادئ التي يقوم عليها نظام الشهر العيني (1) كما تتمثل في عدم جواز المساس بالحق المرسم إذا كانت لصاحبه صفة الغير في مواجهة الصك المطلوب ترسيمه (2).
1) حكم التحيين مقيد بمبادئ الشهر العيني :
يعرف نظام السجل العقاري بأنه نظام الشهر العيني إذ يرمي إلى إشهار الحالتين المادية و القانونية، للعقار موضوع الرسم العقاري، للعموم. وهو يقوم على ثمانية مبادئ ينطبق مفعولها على الرسوم العقارية المشمولة بإجراءات التحيين (أ) و يوجد مبدأ تاسع وهو مبدأ المفعول المنشئ للترسيم و قد تخلى عنه المشرع التونسي و استعاض عنه بمبدإ عدم معارضة الغير بالحق غير المرسم (ب).
أ – مبادئ نظام الشهر العيني الدائمة :
تتمثل المبادئ التي يقوم عليها نظام الشهر العيني و المنطبقة سواء كان الرسم العقاري مجمدا أو محينا، في المبادئ التالية:
* مبدأ التخصيص (الفصل 358 م ح ع)
الذي يفرض تخصيص رسم عقاري مستقل لكلّ وحدة عقارية. و تختلف الوحدة العقارية عن القطعة إذ قد تتكون الوحدة العقارية من قطعتي أرض فأكثر بشرط أن تكون القطع تابعة لنفس المنطقة و لها نفس الحالة القانونية. و يمنع، عملا بهذا المبدأ، أن يكون للوحدة العقارية أكثر من رسم عقاري. فإذا تمّ تحوير الرسم العقاري و إحداث رسم عقاري جديد تتولّى إدارة الملكية العقارية إبطال الرسم العقاري السابق بوضع عبارة " ملغى " مشفوعة بختم الإدارة و إمضاء مدير الملكية العقارية.
* مبدأ التطابق (الفصل 360 م ح ع)
تقتضي أحكام الشهر العيني وجود تطابق بين الرسم العقاري و المثال الهندسي. فإذا تمت قسمة العقار أو إحالة ملكية جزء مفرز منه فإن الأمر يقتضي إقامة رسم عقاري مستقلّ لكلّ مقسم أو للجزء المفرز و يستوجب ذلك إقامة مثال مستقلّ لكلّ مقسم أو للجزء المفرز من العقار و مثالا آخر لباقي الرسم العقاري.
* مبدأ الشرعية (الفصل 390 م ح ع)
يفرض هذا المبدأ على إدارة الملكية العقارية التحقق من مطابقة الصكوك المطلوب إدراجها بالرسم العقاري لمختلف القوانين الجاري بها العمل.
* مبدأ المفعول الحفظي للترسيم (الفصل 361 م ح ع)
يقتضي هذا المبدأ أن يحفظ الترسيم الحق موضوعه ما لم يتم إبطاله أو التشطيب عليه أو تعديله.
* مبدأ منع التقادم (الفصل 307 م ح ع)
بموجب هذا المبدأ يسقط الحوز كسبب من أسباب إكتساب الملكية التي لا تنتقل في الرسم العقاري إلاّ بموجب العقد أو الإرث أو القانون.
* مبدأ تسلسل الترسيمات (الفصل 392 م ح ع)
يقتضي هذا المبدأ ألاّ يقع ترسيم هذا الحق إلا إذا كان منجرا مباشرة ممن سبق ترسيمه باسمه أما إذا كان الحق العيني موضوع عدة نقل أو اتفاقات متوالية فان النقل أو الاتفاق الأخير لا يقع ترسيمه قبل ترسيم ما سبقه من نقل واتفاقات.
* مبدأ القوة الثبوتية للترسيم (الفصل 361 م ح ع)
تتمثل القوة الثبوتية للترسيم في القدرة على إثبات الحق بقطع النظر عن السند المؤسس عليه الترسيم.
و تنقسم الترسيمات التي تقوم بها إدارة الملكية العقارية إلى :
- ترسيمات متزامنة مع ترسيم حكم التسجيل العقاري الذي أذن بها و هي ترسيمات تكتسب قوة ثبوتية مطلقة مستمدة من الحكم و لا يمكن دحضها إلا إذا كان الحق موضوعها حقا فرعيا و ثبت تحقق سبب من أسباب انقضائه.
- ترسيمات لاحقة لحكم التسجيل العقاري و هي تتمتع بقوة ثبوتية نسبية فيجوز التشطيب عليها.
* مبدأ المفعول الإحتجاجي للترسيم (الفصل 361 م ح ع)
و يقتضي هذا المبدأ أنه لصاحب الحق المرسم الإحتجاج بالترسيم المدرج لفائدته بالرسم العقاري.
فالصك المرسم هو حجة لمن اكتسب الحق و بمجرد ترسيمه بالسجل العقاري يصبح الترسيم حجة للطرف الذي اكتسب الحق يغنيه عن الإحتجاج بالصك فلا يطالب مثلا بالإدلاء بالصك الذي اكتسب بموجبه الحق و لا بما يثبت أصل انجرار الملكية و لا بالتواكيل و الرخص و الأذون القضائية التي أبرم على ضوئها الصك و لا بإثبات نسبة الإمضاءات المحلّى بها الصك إلى من انتقل له منهم الحق و لا بإثبات انطباق الصك على الرسم العقاري.
ب - تحديد المبدأ الذي استعاض به المشرع عن مبدإ المفعول المنشئ للترسيم:
إن المقصود بمبدإ المفعول المنشئ للترسيم هو أنّ تحرير الصك لا يكفي لاكتساب الحق العيني بل إنّ الحق لا يكتسب إلاّ بترسيم الصك سنده بالرسم العقاري، و لا يترتب عن الصك غير المرسم، حتى بين الأطراف إلاّ حقوق شخصية. و قد اعتمد المشرع هذا المبدأ عند سنّ القانون العقاري إلاّ أنه سرعان ما تخلّى عنه. و لئن عاد المشرع إلى تكريسه صلب الفقرة الأولى من الفصل 305 من م ح ع، بمناسبة تنقيح مجلة الحقوق العينية بموجب القانون عدد 46 لسنة 1992 المؤرخ في 4 ماي 1992، فإنه حدد مجال انطباقه على الرسوم العقارية المحدثة بعد 28 أفريل 1998 بناء على أحكام التسجيل و على الرسوم العقارية المحينة.
و بذلك فإن الرسوم العقارية المشمولة بإجراءات التحيين لا تخضع لمبدإ المفعول المنشئ للترسيم.
و بما أن المشرع تخلى عن هذا المبدأ فالمفترض أنه استعاض عنه بمبدإ آخر و المفترض أيضا أن هذا المبدأ البديل هو الذي يقيد حكم التحيين.
إن تحديد المبدإ الذي استعاض به المشرع عن مبدإ المفعول المنشئ للترسيم يكتسي أهمية بالغة باعتبار و أن إصدار حكم التحيين يقتضي احترام هذا المبدأ.
و لتحديده فإنه من الوجيه الإشارة إلى أن المشرع و عندما أعاد تكريس مبدأ المفعول المنشئ للترسيم لم يضف فصلا جديدا لمجلة الحقوق العينية و إنما يتضح بالاطلاع على القانون عدد 46 لسنة 1992 المؤرخ في 04 ماي 1992 أن المشرع تولى تنقيح الفقرة الأولى من الفصل 305 من م ح ع و أدرج بها مبدأ المفعول المنشئ للترسيم و يستخلص من ذلك أن المبدأ المستعاض به عن مبدإ المفعول المنشئ للترسيم كان مضمنا بصيغة الفقرة الأولى المذكورة قبل تنقيحها.
و قد نصّت الفقرة الأولى من الفصل 305 م ح ع، في صيغتها السابقة للتنقيح و المنطبقة على الرسوم العقارية الخاضعة لإجراءات التحيين على ما يلي: " كلّ حق عيني لا يعارض به الغير إلاّ بترسيمه بإدارة الملكية العقارية و ابتداء من تاريخ ذلك الترسيم ".
و الرأي السائد أن الفقرة الأولى من الفصل 305 من م ح ع تكرس مبدأ المفعول الإحتجاجي للترسيم.
و لكن هذا الرأي لا يستقيم وهو نتيجة قراءة خاطئة للفقرة المذكورة بدليل ما يلي:
- لا تتضمن الفقرة الأولى من الفصل 305 م ح ع عبارة " الإحتجاج " و بتالي فإنه لا يجوز اعتبارها مكرسة لمبدإ المفعول الإحتجاجي للترسيم.
- في حين يقتضي مبدأ المفعول الإحتجاجي للترسيم الإقرار بحق صاحب الحق المرسم في الإحتجاج بالترسيم فإن الفصل 305 م ح ع يعتمد عبارة " لا يعارض " أي أنه يعتمد صيغة نافية للمعارضة وهو يضع الترسيم كشرط لتحقق المعارضة و يستخلص من ذلك أنه لا يتوجه بالخطاب لصاحب الحق المرسم فيضع له شرط الترسيم ليتمكن من معارضة الغير بل إنه يتوجه بالخطاب لصاحب الحق غير المرسم لينبهه إلى أنّه لا يمكنه معارضة الغير بحقه غير المرسم.
- طالما نقح المشرع الفقرة الأولى من الفصل 305 م ح ع فقد تخلى المشرع عن المبدأ الذي كان استعاض به عن المفعول المنشئ للترسيم و لكن المفعول الإحتجاجي للترسيم يبقى قائما بذاته سواء في ضلّ مبدإ المفعول المنشئ للترسيم أو في غيابه.
و لفهم مقتضيات الفقرة الأولى من الفصل 305 م ح ع فهما صحيحا يتجه بيان أنه و عندما تخلى المشرع عن مبدإ المفعول المنشئ للترسيم فقد خلق ازدواجية في الحقوق إذ سمح بتكون الحقوق خارج السجل العقاري فأصبحت توجد حقوق مرسمة و مدرجة بالرسم العقاري و حقوق أخرى موجودة و معترف بها رغم أنها بقيت خارج الرسم العقاري باعتبارها مضمنة صلب صكوك غير مرسمة و هي الصكوك موضوع مطالب التحيين و التي يطلب الأطراف، الذين اكتسبوا بموجبها حقوقا، ترسيمها و بالتالي فقد كان لزاما على المشرع تنظيم العلاقة بين الحقوق المرسمة و الحقوق غير المرسمة و قد تولى ذلك صلب الفقرة الأولى من الفصل 305 م ح ع بأن اعتبر أن صاحب الحق غير المرسم لا يعارض الغير بذلك الحق.
كما يستوجب الأمر بيان الفرق بين الإحتجاج و المعارضة خاصة و أنّ الصيغة الفرنسية للفصلين 305 و 373 من م ح ع اعتمدت عبارة " opposabilité " دون أن تميّز بين الإحتجاج و المعارضة، وهو الأمر الذي أدّى إلى الخلط بين مفهوم الإحتجاح و مفهوم المعارضة.
إن عبارة الإحتجاج مشتقة من لفظ الحجة التي تعني وسيلة الإثبات، و المقصود بالمفعول الإحتجاجي للترسيم أنّ صاحب الحق المرسم يكتفي بالترسيم كحجة على اكتسابه للحق و لا يحتاج إلى أي وسيلة إثبات أخرى و يتمثل العبء المحمول عليه في الإدلاء بنسخة من الرسم العقاري تتضمن ترسيما لحقوقه.
و أمّا عبارة " المعارضة " فتعني المساس بالحقوق و بذلك فإن عبارة " لا يعارض " المعتمدة صلب الفصل 305 م ح ع تعني عدم جواز المساس بحقوق الغير المرسمة.
فالإحتجاج من الحجة و مجاله وسائل الإثبات في حين يتعلّق حق المعارضة بمفعول الحق. إذ اقتضى الفصل 458 م إ ع أنّه " إذا وقع الإحتجاج بكتب غير رسمي على شخص فعليه أن يعترف به أو ينكر خطه أو إمضاءه..." في حين اقتضى الفصل 460 م إ ع أنّ " اعتراف الخصم بخطه أو إمضائه لا يسقط حقه في معارضة الكتب بجميع الأوجه الباقية لديه من حيث الأصل أو من حيث الشكل".
و يستنتج من الفصلين المذكورين أنّ كتب الهبة، مثلا، يقوم حجة على من يعترف بإمضائه أو بأنه حرره بخط يده و لكن ذلك لا يمنع المحتج عليه من التمسك بأنّ حقه في ملكية العقار لم ينتقل للموهوب له ضرورة أنّ المشرع اشترط في الهبة أن تحرر بحجة رسمية. و كذلك الشأن بالنسبة للبائع الذي يعترف بالكتب كحجة ضده و لكن ذلك لا يمنعه من المعارضة بأن البيع لم يتسلط على العقار محل النزاع و إنما على عقار آخر. و يتضح من كلّ ذلك أنّ قيام الحجة يختلف عن حق الإعتراض المتمثل في الدفع بعدم سريان مفعول الالتزامات المضمنة بالعقد غير المرسم على الحق الراجع للغير.
و يتجه لفت الإنتباه إلى أنّ تأويل الفصل 305 م ح ع، عكسيا، على النحو التالي " كل حق عيني يعارض به الغير بترسيمه بإدارة الملكية العقارية و ابتداء من تاريخ ذلك الترسيم " يعدّ تأويلا قاصرا إذ أنّه لا يتسلّط على جميع عناصر النص و أهمها عبارة " الغير " كما أنّ الجزء الأول من النص " كلّ حق عيني لا يعارض به الغير" جملة شرطية و يتمثل جواب الشرط في باقي النص " إلاّ بترسيمه..."
و يستوجب التأويل العكسي الصحيح الإستعاضة عن الشرط بإطلاق الحكم على النحو التالي " كل حق عيني يعارض به من ليست له صفة الغير ولو لم يكن مرسما بإدارة الملكية العقارية و ابتداء من التاريخ الثابت للصك المضمن به الحق ".
و نخلص بذلك إلى أن المبدأ الذي استعاض به المشرع هو مبدأ عدم معارضة الغير بالصك غير المرسم.
2) عدم جواز المساس بحقوق " الغير " المرسمة :
يتجه التأكيد على أن الحقوق تكون مكتملة في الرسم العقاري و يستوجب إدراج أي حق بذلك الرسم العقاري المساس بحق مرسم لانتزاعه من صاحبه و نقله إلى المستفيد من الترسيم الجديد.
و يستخلص من ذلك أنه يجب عند إصدار الحكم النظر في الحق المرسم الذي يجب المساس به لترسيم الصك المقدم للتحيين ثم النظر في صاحب ذلك الحق المرسم و تحديد صفته في مواجهة العقد المطلوب ترسيمه.
و لا يخرج صاحب الحق المرسم على أن يتصف بإحدى أربع صفات:
- فإما أن يكون غيرا فيتمتع بالحماية و لا يجوز المساس بحقوقه مما يؤول إلى رفض الطلب.
- أو أن يكون طرفا فيجوز المساس بحقوقه مما يؤول إلى الإستجابة للطلب.
- أو أن يكون خلفا عاما فيجوز المساس بحقوقه مما يؤول إلى الإستجابة للطلب.
- أو أن يكون خلفا خاصا وهو ما يطرح إشكالا باعتبار أن الفصل 241 م إ ع لا يعتبر الخلف الخاص غيرا وهو ما يقتضي تحديد مفهوم الغير.
و الملاحظ أن المشرع أخضع الصك غير المرسم لقواعد القانون المدني العام و من بينها مقتضيات الفصل 241 م إ ع الذي ينصّ على أنّ أحكام الإلتزامات تجري على المتعاقدين و على ورثتهم و على من ترتب له حق منهم.
و لكنّ مقتضيات هذا الفصل لا تتلاءم مع ماهية السجل العقاري الذي يرمي أساسا إلى إشهار الحالتين القانونية و المادية للعقار لبعث الثقة في نفوس المتعاملين عليه و ذلك بإعلامهم بالحالة المادية للعقار و بالحقوق العينية المرتبة عليه.
فإذا اكتسب الخلف الخاص حقوقا على الرسم العقاري، بناء على الثقة التي بعثها فيه الرسم العقاري من خلال البيانات المضمنة به، فإنه لا يجوز معارضته بوجود حقوق عينية غير مرسمة و تسري أحكامها عليه لأنّ ذلك يجعل من الرسم العقاري وسيلة للتضليل ممّا ينزع الثقة عن الرسم العقاري و يهدم منظومة الشهر العيني القائمة على العلنية.
و نتيجة لذلك فقد برزت نظرية اعتبرت أنّ للغير، في مجلة الحقوق العينية، مفهوما مختلفا عن مفهوم الغير في مجلة الإلتزامات و العقود.
و لكنّ هذه النظرية قابلة للنقاش إذ أن المشرع لو أراد أن يجعل لصفة الغير مفهوما مختلفا في مجلة الحقوق العينية عن المفهوم الذي تكرسه مجلة الإلتزامات و العقود لنص على ذلك صراحة.
فمن الواضح أنّ الصكّ غير المرسم لم يدخل في منظومة الشهر العيني التي تهدف إلى إعلام الكافة بالحالتين المادية و القانونية للرسم العقاري بتمكينهم من الإطلاع على الرسوم العقارية و من الحصول على نسخ منها و على نسخ من الصكوك المرسمة[1]. فنظام الشهر العيني يقوم على العلنية التي لا تتوفر في حال عدم الترسيم ممّا جاز معه اعتبار الصك غير المرسم من قبيل الصك السرّي و الخفي بالنسبة للمتعاملين على الرسم العقاري.
و الصك السرّي لا ينتج مفعوله إلاّ بين المتعاقدين و ورثتهم و لا يعارض به الغير ما لم يثبت علمه به في تاريخ اكتسابه لحقه المرسم إذ اقتضى الفصل 26 من م إ ع أنّ الخلف الخاص يعدّ غيرا في مواجهة الصك السري فلا يحتج به عليه و لا يعارض به.
فإذا ثبت علم الخلف الخاص، في تاريخ اكتسابه للحق، بوجود الصك غير المرسم فإنّه يستثنى من الحماية التي خوّلها له الفصل 26 م إ ع.
و بما أنّ في استثناء الإستثناء رجوعا إلى القاعدة فإنّنا نعود إلى تطبيق قاعدة الفصل 241 م إ ع و ننفي صفة الغير عن الخلف الخاص الذي ثبت علمه بوجود الصك غير المرسّم.
و يستنتج ممّا تقدم بيانه أنّ مفهوم الغير في مجلة الحقوق العينية لا يختلف عنه في مجلة الإلتزامات و العقود.
لئن كانت هذه هي الضوابط القانونية لحكم التحيين فإن فقه قضاء دوائر التحيين قد أرسى ضوابط يتجه طرحها للنقاش.
ثانيا : الضوابط الفقه قضائية :
أرسى فقه قضاء دوائر التحيين ضوابط تتجه مناقشتها (1) لننتهي إلى التطبيقات العملية على أساس الضوابط القانونية السابق عرضها (2).
1 - مناقشة الضوابط التي أرساها فقه القضاء :
أرسى فقه قضاء بعض دوائر التحيين ضوابط تقوم على أساس التمييز بين الحق العيني الأصلي و الحق العيني الفرعي معتبرة أنه لا يجوز التشطيب على الحق العيني الأصلي المرسم لأنه غير قابل للإنقضاء و تشترط الإدلاء بما يفيد صدور حكم عن محاكم الحق العام يقضي بإبطال العقد المرسم للتشطيب على الترسيم و في المقابل فإن الحق العيني الفرعي قابل للإنقضاء و يجوز بالتالي التشطيب عليه.
و لكن هذا الرأي قابل للمناقشة من أوجه عدة و أهمها ما يلي:
* ميزت هذه النظرية حيث لم يميز المشرع فضيقت واسعا إذ و بالرجوع إلى الفصل 6 من قانون التحيين يتضح أنه خ*ل لدائرة التحيين النظر في الطلبات الرامية إلى التشطيب على الترسيم و قد جاءت عبارات النص مطلقة و لم تميز بين الحق العيني الأصلي و الحق العيني الفرعي.
* تسند هذه النظرية، دون موجب قانوني، للمفعول الحفظي للترسيم قوة مختلفة باختلاف الحق إذ تمتع الحق العيني الأصلي بمفعول حفظي مطلق في حين تمتع الحق العيني الفرعي بمفعول حفظي نسبي و الحال أن الفصل 361 م ح ع نص على أن الترسيم يحفظ الحق موضوعه دون أي تمييز بين حفظ الحق العيني الأصلي و حفظ الحق العيني الفرعي.
* أدت هذه النظرية في التطبيق إلى الإخلال بأحد أهم مبادئ السجل العقاري وهو مبدأ تسلسل الترسيمات. فإذا باع مالك الرسم العقاري لطالب التحيين ثم توفي و رسم ورثته حجة وفاته فإنه يتعذر على دائرة التحيين التشطيب على الترسيم المتعلق بحجة الوفاة و يتعذر على طالب التحيين استصدار حكم في إبطال حجة الوفاة (لانعدام السند القانوني لإبطالها) وهو الأمر الذي أدى إلى صدور أحكام قضت بترسيم عقد شراء طالب التحيين مع الإبقاء على الترسيم المتعلق بحجة وفاة البائع له وهو ما يتعارض مع مبدإ تسلسل الترسيمات.
و في مقابل ذلك ارتأت بعض دوائر التحيين أنه يجوز التشطيب على الترسيم المدرج لفائدة المشتري الثاني على اعتبار أن البيع الصادر لفائدته هو بيع لا يجيزه القانون و بالتالي فهو في حكم المعدوم و يكفي طالب التحيين أن يدفع بالبطلان لتتولى دائرة التحيين التشطيب على الترسيم.
و يعتبر أصحاب هذا الرأي أن دائرة التحيين لا تصرح ببطلان العقد ضرورة أنه بطلان مصرح به قانونا و يقتصر دور دائرة التحيين على معاينته و ترتيب الأثر القانوني عليه و المتمثل في التشطيب على الترسيم المتعلق بالبيع الثاني الصادر عمن لم يعد مالكا.
و لا يخفى ما في هذا الرأي من مخالفة لمبدإ المفعول الحفظي للترسيم و لمقتضيات الفصل 305 من مجلة الحقوق العينية وهو ما اضطر المشرع الى التدخل بموجب التنقيح بمقتضى القانون عدد 67 لسنة 2009 المؤرخ في 12 أوت 2009 لينص على أن دوائر التحيين لا تنظر في إبطال الرسوم.
2- التطبيقات العملية:
تتولّى دائرة التحيين استعمال الآليات المخ*لة لها قانونا مع الحرص على عدم المساس بالترسيم إذا كانت لصاحب الحق العيني المرسم صفة الغير. و نعرض مختلف الحالات التي قد تواجه دائرة التحيين و طريقة التعامل معها.
الحالة الأولى: إذا فوّت مالك الرسم العقاري لطالب التحيين تعلّق الأمر بطلب ترسيم العقد. و باعتبار أن صاحب الحق المرسّم طرف في العقد فإنه لا يكتسب صفة الغير ممّا يجيز معارضته به و الإذن لإدارة الملكية العقارية بالترسيم.
الحالة الثانية: إذا فوّت مالك الرسم العقاري لطالب التحيين ثم توفي البائع و رسّمت حجة وفاته فإنّ ترسيم عقد شراء طالب التحيين يقتضي عملا بمبدإ تسلسل الترسيمات، الذي أوجب أن يكون الحق الرسم منجرا مباشرة ممن سبق ترسيمه باسمه، التشطيب على الترسيم المتعلق بحجة الوفاة لتعود الملكية الى المورث البائع ثم يتم ترسيم العقد. و لا يجوز للورثة التمسك بالترسيم المدرج لفائدتهم لأنّ أحكام الصك غير المرسم و الذي فوت بموجبه مورثهم لطالب التحيين تسري عليهم باعتبارهم علفا عاما و لا يتمتعون بصفة الغير و يجوز بذلك معارضتهم بالصك غير المرسم. و لا يتوجب على طالب التحيين القيام بدعوى إبطال الترسيم المتعلق بحجة الوفاة علما و أنه لا يتوفر سبب قانوني لإبطال حجة الوفاة.
الحالة الثالثة: إذا فوّت مالك الرسم العقاري لطالب التحيين ثم تولّى البيع ثانية لشخص تولّى ترسيم عقد شرائه فإنّ المشتري الثاني و لئن كان خلفا خاصا للبائع لطالب التحيين إلا أنه يكتسب صفة الغير عملا بأحكام الفصل 26 م إ ع على اعتبار أن عقد طالب التحيين يعد عقدا خفيا بالنسبة له و لا يجوز بالتالي معارضته به. و مردّ ذلك أن المشتري الثاني اكتسب حقه بناء على بيانات الرسم العقاري و يجوز له التمسك بالمفعول الظاهر للترسيم.
و لكن لهذه القاعدة استثناء ذلك أنّ المعاقد الثاني يعدّ، طبقا للفصل 241 م إ ع، من الخلف الخاص الذي تسري عليه أحكام الإلتزامات المضمنة بالصك غير المرسم وهو يتمتع بصفة الغير بموجب المقتضيات الإستثنائية للفصل 26 م إ ع التي اشترطت عدم ثبوت علمه بالصك السري لتمتعه بالحصانة المخ*لة لمن له صفة الغير. فإذا أثبت طالب التحيين أنّ المعاقد الثاني كان عالما بوجود الصك غير المرسّم فقد هذا الأخير صفة الغير و عومل معاملة الخلف الخاص و تسري عليه في هذه الحالة أحكام العقد غير المرسم و يجوز بالتالي التشطيب على الترسيم المدرج لفائدة المشتري الثاني.
و لا يجوز للمعاقد الثاني التمسك بالقاعدة القائلة بأنّ الأسبق بالترسيم أسبق بالحق ضرورة أنّنا خارج إطار المفعول المنشئ للترسيم، فالترسيم لا يكوّن الحق و إنما يكسب المعاقد الثاني الحق في الإحتجاج بالترسيم المدرج لفائدته و أن يتمتع بالحماية التي تخ*لها له مبادئ الشهر العيني و لكن ذلك لا يحول دون إمكانية معارضته بالحق غير المرسم الذي اكتسبه طالب التحيين.
و يشترط أن يكون علم المعاقد الثاني حاصلا في تاريخ اكتسابه للحق و يجوز إثبات ذلك بجميع الوسائل كأن يكون شاهدا على العقد غير المرسم أو يكون محررا للصك المذكور أو يكون وسيطا عقاريا تمّ البيع بموجب وساطته، كما يثبت ذلك بموجب تنبيه موجه من طالب التحيين للمعاقد الثاني قبل تاريخ البيع أو بشهادة الشهود. كما للمحكمة أن تقدّر مدى توفر سوء النية من خلال ملابسات كلّ حالة كأن يكون المعاقد الثاني من أقارب البائع لطالب التحيين أو مشرفا على أملاكه مع وجوب التعليل.
الحالة الرابعة: إذا فوّت مالك الرسم العقاري لطالب التحيين ثم تولّى البيع ثانية لشخص تولّى ترسيم عقد شرائه ثمّ تولّى بدوره التفويت لشخص آخر تولّى بدوره ترسيم عقد شرائه فإنه تكون لصاحب الحق المرسم صفة الغير و يتمتع بالحصانة التي خ*لها له الفصل 305 م ح ع و يتعلق الأمر بطلب إبطال الترسيم. فإذا أدلى طالب التحيين بما يفيد إبطال الترسيم كان عليه أيضا أن يثبت سوء نية الغير المذكور و إلاّ فإنه لا يجوز لدائرة التحيين التشطيب على الترسيم رغم إبطاله عملا بأحكام الفقرة الثانية من الفصل 305 م ح ع التي اقتضت أن الغير حسن النية لا يعارض بإبطال الترسيم.
الحالة الخامسة: رسم عقاري موضوعه أرض فلاحية فوت فيه المالك الأجنبي إلى شخص تونسي الجنسية لم يرسّم عقده ثم صدر قانون التأميم الذي اقتضى إحالة العقارات الفلاحية الراجعة بالملكية للأجانب لفائدة ملك الدولة الخاص و تمّ إدراج هذه الإحالة بالرسم العقاري. و يتمثل الإشكال القانوني في تحديد المركز القانوني للدولة في دائرة المتعاملين مع عقد البيع المطلوب ترسيمه.
فإذا اعتبرنا أن الدولة تكتسب صفة الخلف العام فهي تعارض بالصك غير المرسم و يسري عليها حكم الورثة و يجوز المساس بالترسيم المدرج لفائدتها و كذلك الشأن إذا اعتبرت خلفا خاصا ثبت علمه بالصك المطلوب ترسيمه، عند اكتسابه للحق، بموجب تسجيل عقد البيع لدى إحدى قباضات المالية التابعة للدولة. و في المقابل لا يجوز المساس بالترسيم المدرج لفائدتها إذا كانت غيرا أو خلفا خاصا لم يثبت علمه بالصك المطلوب ترسيمه عند اكتسابه للحق، إذ يلزم طالب التحيين في هذه الحالة بالإدلاء بحكم في إبطال الترسيم المدرج لفائدة الدولة و بإثبات سوء نيتها عند اكتسابها للحق ليجوز لدائرة التحيين المساس بالترسيم.
و الأرجح اعتبار الدولة خلفا عاما للأجنبي ذلك أنها استمدت حقوقها منه بموجب قانون تكتسي أحكامه صبغة عامة، شأنها في ذلك شأن الوارث. ففي مادة الإرث تنتقل الملكية بمجرد تحقق الوفاة و يكون المورث معيّنا بذاته أمّا الورثة فهم غير معيّنين بذاتهم و لكنهم قابلون للتعيين لاحقا و كذلك الشأن بالنسبة للعقارات الموروثة فإنها لا تكون معينة بذاتها و إنما قابلة للتعيين لاحقا، و أما في صورة قانون التأميم فإنّ الملكية تنتقل بدخ*ل قانون التأميم حيز التنفيذ و تكون المستفيدة معيّنة بذاتها في حين أن الأجانب المنجرة منهم الحقوق غير معينين بذاتهم و لكنهم قابلون للتعيين لاحقا و كذلك الشأن بالنسبة للعقارات المسلط عليها التأميم فإنها غير معينة و لكنها قابلة للتعيين لاحقا. فلو صدر قانون تأميم خاص بكل عقار أو بأملاك كل أجنبي على حدة لجاز اعتبار الدولة خلفا خاصا أما و أنها تحل محل جميع الأجانب في جميع أملاكهم الفلاحية فإنه من الأرجح اعتبارها خلفا عاما و تجوز معارضتها بالحق غير المرسم.
فإذا اعتبرت دائرة التحيين أنّ الدولة من الخلف الخاص فإنه لا يجوز اعتبارها غيرا إذا ثبت علمها بصدور البيع بموجب تسجيل العقد لدى مصالحها و تقاضيها أموالا مقابل ذلك. فإن لم يكن العقد مسجلا فيجوز الإستناد إلى أنه كان من المفترض فيها أن تعلم بانتقال الملكية لشخص تونسي الجنسية إذ اقتضى الفصل 5 من قانون التأميم أنه يصدر، في تطبيق قانون التأميم على عقار معين، قرار من كاتب الدولة للفلاحة مما يقتضي ضمنا القيام ببحث قبل استصدار القرار. فلا تستفيد الدولة من تقاعسها عن القيام بمعاينة العقار للوقوف على حالته القانونية.
و يمكن تناول المسألة من منظور مخالف بأن يتولّى المالك الأجنبي التفويت في العقار بعد صدور قانون التأميم و يتولّى المشتري، تونسي الجنسية، ترسيم عقد شرائه فإنه يجوز للدولة طلب التشطيب على الترسيم لأنّ معاقد الأجنبي و إن كان خلفا خاصا فإنه كان من المفترض فيه العلم بمقتضيات قانون التأميم الذي تمّ إشهاره بالرائد الرسمي للجمهورية التونسية و لا تطالب الدولة بإثبات ما يفيد العلم الشخصي لصاحب الحق المرسم فلا يستفيد هذا الأخير من جهله للقانون.
و أما إذا اكتسبت الدولة الملكية بموجب أمر انتزاع فإنها تعتبر خلفا خاصا لأنها حلت محل المالك البائع لطالب التحيين في عقار معين و بالتالي فإنها لا تعارض بالعقد غير المرسم إلا إذا ثبت علمها بوجود العقد غير المرسم.